arabpressnews.com Arabic car magazine
arabpressnews.com Arabic car magazine
arabpressnews.com Arabic car magazine

 Opinion

31/10/2004

رأي

مخالفات وزارية
ورادارات صحافية

Bechara Aboul-Nasr, opinion article photo.

كأنها البارحة!

كم تخطر في ذهني حتى اليوم، وكلما عدت لشحن "بطاريات" النفس من شمس الوطن وهوائه، نشرة أخبار ذاك الصباح، يوم ظننت الخبر مجرد مزحة في البداية.

كيف تصدّق مذيع إحدى محطات التلفزيون... الرسمية من فضلك، وهو يروي في نشرته الإخبارية الرئيسية قائمة الغرامات والعقوبات التي إستحقها رئيس مجلس الوزراء مع عدد لا يستهان به من وزرائه، بسبب تجاوز سياراتهم السرعة القانونية؟

نعم، أصبت، هذه الروايات لا تأتي إلا من بلاد "الإغتراب" البعيدة.

نجنا يا رب، لم يعد هناك أي إحترام للوجاهات.

ولو؟ عيب! سعادة الوزير يحاسب؟

حصلت الرواية قبل نحو ثلاثة أعوام. سيارة رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك ليونيل جوسبان تجاهلت الإشارة الحمراء مرة واحدة، وأولوية مرور المقبلين من اليمين مرة أخرى، ثم تخطت الخط الأبيض المانع للتجاوز، بينما تجاهلت سيارتا وزيرَي الإقتصاد لوران فابيوس والمواصلات جان كلود غيسّو الإشارة الحمراء مرتين، مع متفرقات أخرى من مخالفات تجاوز السرعة القانونية وغيرها من شروط القيادة المطبّقة عادة على العاديين من بني آدم.

أما وزيرتا العدل ماريليز لوبرانشو والبيئة دومينيك فوانّيه فلم ترضيا بغير الصدارة، بعد تجاهل سيارة كل منهما الإشارة الحمراء ثلاث مرات.

طبعاً، لم أقلق على أمن البلاد والعباد أبداً، فالبلد ”العجيب“ الذي أذيعت فيه نشرة الأخبار هذه غربي. نعم غربي، وهل تصدق الرواية لو حذفت نقطة الغين، في خطأ مطبعي مثلاً؟

النشرة فرنسية، وقناة التلفزيون لا تزال شغّالة، وصحة الصحافي الذي أذاعها بقيت بألف خير، ولم تستضفه أي ”أجهزة مختصة“ بحفظ معلّبات ”أمن المواطن“ الفرنسي.

حسناً، لن نبلغ براءة الظن بأن رادارات الشرطة الفرنسية وعدساتها المصوّرة هي التي سجّلت تلك المخالفات. فتلك الرادارات متفرّغة لرصد مخالفات الأشقياء (لكل شيء حدود... بما فيها الديمقراطية!)، فلم تسجل المخالفات الوزارية إلا عدسات ورادارات صحافية نصبها فريق من مجلة أوتوبلوس الفرنسية المتخصصة في صناعة السيارات، قبل أن تتناقل الخبر وسائل الإعلام الأخرى، بما فيها الرسمية. ولا يقلقن أحد، فجميعهم بخير أيضاً ويهدون السلام.

سبب الحملة؟ بلغت مخالفات سائقي الوزراء وسياراتهم حداً دفع الصحافة الى الرد، فحمل قسم منهم آلات التصوير قبل إمتطاء دراجات نارية عادية جداً، بينما نصب قسم آخر من بني مهنتنا المرموقة ذاتها رادارات سرعة مماثلة لتلك التي تسلّطها أجهزة الشرطة على المخالفين من خارج مجلس الوزراء، في الشوارع التي يعبرها ”سعادتهم“ عادة. ولإكمال”التشريفات“ الوزارية، إنتشر أفراد فريق صحافي ثالث أمام منازل الوزراء ومكاتبهم، لتبادل المعلومات عن تحركاتهم بواسطة التلفونات الجوّالة.

والحق يقال، علّق الوزراء على الصور بإجابات مؤثرة جداً! جدول الأعمال كثيف جداً، ولا بد من الإسراع لتنفيذه. أو، لم أكن وراء المقود، بل السائق هو الذي يقود. أو، سأنتبه أكثر في المرة التالية (إنتباه لمراعاة قوانين السير أو للحذر من الدراجات والرادارات المشبوهة؟). بارك الله بهم، لا يضيق الوقت إلا على الوزراء. ففي ساعات عمل سعادتهم، ينصرف الشعب الى ممارسة اليوغا والتأمل، أو حل الكلمات المتقاطعة.

أهم ما في الأمر كان عرض الصور في تلك المطبوعة، مع تذكير الطبقة السياسية الحاكمة بأن قوانين اللعبة تنبطق عليها وعلى غيرها. وإن أجاز بعض المهمات الرسمية تجاوز بعض قوانين السير لأسباب تتعلق بالخدمة العامة، تبقى القواعد قواعد، والإستثناءات إستثناءات.

تابعت تلك الأخبار حتى إنعطاف الذاكرة سالكة طريق بيروت، من السبعينات والثمانينات، حتى الأمس القريب. كم ذكّرتني بأيام المواكب الرسمية وغير الرسمية، الوطنية وشبه الوطنية، وخصوصاً "الديبلوماسية". لا أزال أذكر مواكب سفير تلك الدولة العظيمة ورعاة جيباته يشهرون رشاشاتهم من النوافذ وهم يصيحون بأصحاب السيارات الأخرى للتبخّر فوراً من طريقهم. ثم تفتح التلفزيون مساء ليطالعك سعادة السفير ذاته ببسمته الودودة المطمئنة أمام العدسات، بحرص بلاده على إستعادة أصدقائه اللبنانيين أمنهم وسيادتهم.

وتذكرت ايضاً الأمس الأقرب بكثير، أمام صور بعض القادة الذين تكللت تضحياتهم الملشيوية، ثم الرسمية، بإصلاحات لم يسجّلها التاريخ بعد... لضيق الوقت.

وكيف لا يسجل التاريخ أمجاد الذين محو الإمتيازات والغبن والفقر بتحقيق الإصلاحات الوطنية الشهيرة، تلك التي فصلوها لكل المناسبات والألوان والأغراض، فـ"نمت" بذلك قيمة الدولار الأميركي الواحد، من 2.15 ليرة لبنانية أيام الغبن والفقر والفساد، الى 1500 ليرة اليوم بعد نجاح الإصلاحات وتحسين ظروف المعيشة وتعميم فرص العمل، حتى إحتار الشباب اللبناني اليوم أمام كثرة الفرص.

لا، لم يكن لبنان ما قبل الحرب كاملاً بلا عيب، بل كان كأي بلد عصري أو غير عصري، في حاجة الى التطور الدائم... لكن بالسير الى الأمام، وليس الى الوراء. فمعالجة الأمراض لا تتم بأدوية غيرها، بل بتسمية الأشياء بأسمائها، وبعرض الصور على حقيقتها.

وكم تتمنى إسكات أكثر من متذمر يترحم اليوم على لبنان ما قبل الحرب، بتذكيره بأن شكواه ليست ثمرة الإصلاحات التي ثقب آذاننا بها، بينما كان الوطن والإقتصاد والأمن يئنون من وجع آخر كان ولا يزال يعرفه الجميع، وكان ولا يزال يتجاهله هو وأمثاله.

لا، لم يعفُ الزمن عن هذه المواضيع لأنها واقع لا يزال يحدق بنا جميعاً، كيفما نظرنا الى وجوه الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية، وخصوصاً الإقتصادية التي تعنينا في هذا الإطار مباشرة، على الأقل في قطاعات صناعة السيارات وتجارتها وخدماتها الكثيرة (من التأمين الى ورش الإصلاح والصيانة والنشر والإعلان وغيرها، كما هي الحال في معظم قطاعات الصناعة والخدمات).

وكما أنهيت كلاً من زياراتي الماضية الى لبنان، سددت أذنَي الذاكرة وقصة محاضر ضبط سعادة الوزراء، فور العودة الى تلك البلاد التي لا تخاف الكاميرات ولا محطات التلفزيون، ولا ألسنة الصحافيين ولا تسمية الأشياء بأسمائها.

فتلك بلاد خبرت من تجارب تاريخها... الأقصر من تاريخ منطقتنا (للتذكير فقط)، بأن الخلل نادراً ما كان في عدسة التصوير، أو في عين المشاهد أو أذنيه ... بل هو في عتمة غرف تحميض الصور، وفي ظلمة بعض الأذهان، ولو كانت عيونها سليمة.

ومثلما تخلصت الكاميرا الرقمية من عتمة غرف التحميض، حسبنا الأمل بوصول التكنولوجيا ذاتها لإنقاذ الحياة اليومية من حموضة تقنيات "تظهير الأفلام".

فعندها فقط تنعم العيون والآذان برؤية وسماع الأقرب الى منطق العقول، بل قد تنعم الشركات بمزيد من المشاريع والموظفين، والمتاجر بمزيد من الزبائن الميسورين، والطرقات بسيارات أكثر عصرية وحماية وأقل إستهلاكاً، والجامعات بمزيد من الطلاب والإختصاصات...

كل ما ينقص هو النور المطمئن الى الغد، وإنطفاء عتمة الأمس.

بشاره أبو النصر
arabpressnews.com Arabic car magazine
arabpressnews.com arabic automotive press kits and technical graphics services for car makers and auto suppliers.